الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
261
انوار الأصول
تفترق مسألة القضاء والقدر عن مسألة الجبر والاختيار في أمرين : أحدهما : أنّ الأولى أعمّ من الثانيّة من ناحية سعة شمولها لأعمال العباد وغيرهم فإنّ القضاء والقدر جاريان في جميع الكائنات بخلاف مسألة الجبر والاختيار فإنّها مطروحة في مجال أعمال الإنسان فقط . ثانيهما : أنّ المسألة الأولى بلحاظ انتساب الأفعال إلى اللَّه تعالى والمسألة الثانيّة بلحاظ انتساب الأفعال إلى العباد أنفسهم كما لا يخفى . ولكن مع ذلك فإنّ بينهما قرابة شديدة وربط وثيق وإنّ أدلّة المسألتين متقاربة جدّاً . الأمر الثاني : أنّ القضاء والقدر في لسان الفلاسفة يأتي على معنيين : أحدهما : القضاء والقدر العلميين ، بمعنى أنّ القضاء عبارة عن العلم الإجمالي للباري تعالى بجميع الموجودات وهو عين ذاته تعالى ، وأمّا القدر فهو علمه التفصيلي بجميع الموجودات وهو عين ذات الموجودات نفسها . ثانيهما : القضاء والقدر العمليين التكوينيين ، بمعنى أنّ القضاء هو خلق الصادر الأوّل الذي يتضمّن جميع الموجودات واندرج فيه العالم بتمامه ، والقدر عبارة عن إيجاد الموجودات المتكثّرة ، ولا يخفى ما فيه من الإشكال في المباني . الأمر الثالث : في معنى القضاء والقدر في اللّغة وفي لسان الآيات . ففي مفردات الراغب : « القضاء فصل الأمر ، قولًا كان ذلك ( مثل قول القاضي ) أو فعلًا ( نحو قوله تعالى فقضاهنّ سبع سماوات ) وكلّ واحد منهما على وجهين : إلهي وبشري . . . إلى أن قال في مقام بيان الفرق بين القضاء والقدر : والقضاء من اللَّه أخصّ من القدر لأنّه الفصل بعد التقدير ، فالقدر هو التقدير والقضاء هو الفصل بعد التقدير » . وأمّا المستفاد من موارد استعمالها في القرآن فهو أنّ القضاء هو الحكم القطعي الإلزامي تكوينياً كان أو تشريعيّاً ، فالتكويني منه نظير ما جاء في قوله تعالى : « إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » * « 1 » والتشريعي ما جاء في قوله تعالى : « وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » « 2 » ، وأمّا القدر فهو بمعنى تعيين المقدار إمّا تكويناً نحو قوله تعالى : « وَإِنْ
--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 47 . ( 2 ) سورة الإسراء : الآية 23 .